أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
504
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا في « كانَ » هذه أقوال : أحدها : أنها زائدة ، وهو قول أبي عبيدة ، أي : كيف من في المهد ، و « صَبِيًّا » على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة . وقد ردّ أبو بكر هذا القول أعني كونها زائدة ، بأنها لو كانت زائدة لما نصبت الخبر ، وهذه قد نصبت « صَبِيًّا » . وهذا الردّ مردود بما ذكرته لك في نصبه على الحال لا الخبر . الثاني : أنها تامة بمعنى : حدث ، ووجد ، والتقدير : كيف نكلم من وجد صبيا . و « صَبِيًّا » حال من الضمير في « كانَ » . الثالث : أنها بمعنى صار ، أي : كيف نكلم من صار في المهد صبيا ، و « صَبِيًّا » على هذا خبرها ، فهو كقوله : 3267 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 » الرابع : أنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * ولذلك يعبّر عنها بأنها ترادف لم يزل . وقال الزمخشري : « كانَ » لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم صالح للقريب والبعيد ، وهو ههنا لقريبه خاصة ، والدال عليه معنى الكلام ، وأنه مسوق للتعجب ، ووجه آخر : وهو أن يكون « نُكَلِّمُ » حكاية حال ماضيه ، أي : كيف عهد قبل عيسى أن يكلم من في المهد حتى نكلمه نحن . وأما « مَنْ » فالظاهر أنها موصولة بمعنى الذي ، ويضعف جعلها نكرة موصوفة ، أي : كيف نكلم شخصا أو مولودا . وجوّز الفراء والزجاج فيها أن تكون شرطية ، و « كانَ » بمعنى : يكن جوابها الشرط إمّا متقدم وهو « كَيْفَ نُكَلِّمُ » ، أو محذوف لدلالة هذا عليه ، أي : من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه فهي على هذا مرفوعة المحل بالابتداء وعلى ما قبله منصوبته ب « نُكَلِّمُ » وإذا قيل : بأن « كانَ » زائدة هل تتحمل ضميرا أم لا ؟ فيه خلاف ، ومن جوّز استدل بقوله : 3268 - فكيف إذا مررت بدار قوم * وجيران لنا كانوا كرام « 2 » فرفع بها الواو ، ومن منع تأول البيت : بأنها غير زائدة ، وأن خبرها « لنا » قدّم عليها ، وفصل بالجملة بين الصفة والموصوف ، وأبو عمرو يدغم الدال في الصاد ، والأكثرون على أنه إخفاء . قوله : أَيْنَ ما كُنْتُ . هذه شرطية ، وجوابها إما محذوف ، مدلول عليه بما تقدم ، أي : أينما كنت جعلني مباركا ، وإما متقدم عند من يرى ذلك ، ولا جائز أن تكون استفهامية ، لأنه يلزم أن يعمل فيها ما قبلها ، وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام فتعين أن تكون شرطية ، لأنها منحصرة في هذين المعنيين . قوله : ما دُمْتُ حَيًّا ما مصدرية ظرفية ، وتقدمها على « دام » شرط في إعمالها ، والتقدير : مدة دوامي حيّا ونقل ابن عطية عن عاصم وجماعة أنهم قرأوا « دُمْتُ » بضم الدال ، وعن ابن كثير وأبي عمرو ، وأهل المدينة « دمت » بكسرها . وهذا لم نره لغيره ، وليس هو موجودا في كتب القراءات المتواترة والشاذة التي بين أيدينا ، فيجوز أن يكون أطلع عليه في مصنف غريب ، ولا شك أنّ في « دام » لغتين ، يقال
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .